النساء

تتفوق البلدان النامية في أدائها على نظيراتها من البلدان المتقدمة الأكثر ثراء عندما يتعلق الأمر بتشجيع النساء على دراسة ما يسمى المواضيع الأساسية، وهي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. عادة ما تمثل النساء نسبة تراوح ما بين 20 و30 في المائة من خريجي التخصصات الأساسية في البلدان المتقدمة، على الرغم من أنهن الآن أكثر احتمالا بكثير من الرجال من حيث الالتحاق بالجامعات، ما يؤدي إلى ادعاءات بأن معايير التمييز أو الجنس تثني النساء عن دراسة مثل هذه المواضيع.

ومع ذلك، تظهر البيانات بأن النساء هن أكثر عرضة لدراسة المواضيع الأساسية في البلدان الفقيرة التي تعد بوجه عام أقل مساواة بين الجنسين، ولا سيما في الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا وجنوب شرق آسيا. قال جيجسبيرت ستويت، من كلية العلوم الاجتماعية في جامعة ليدز بيكيت، والمشارك في تأليف دراسة (مفارقة المساواة بين الجنسين في دراسة العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات): "كلما ازداد عدد البلدان التي لا تساوي بين الجنسين، ارتفعت نسبة النساء اللواتي يلتحقن لدراسة تلك المواضيع الأساسية. وهذا يبين أن فرضية التمييز ربما لا تكون هي التفسير الأفضل في أننا نرى عددا قليلا جدا من النساء المهندسات أو العاملات في التحليل الحاسوبي".

ومن بين البلدان التي تم تحليلها لأغراض هذه الدراسة التي بلغ عددها 52 بلدا، حصلت الجزائر على أعلى نسبة من النساء الخريجات في المواضيع الأساسية، بنسبة 40.7 في المائة.  وجاءت بعدها مباشرة مجموعة من بلدان الشرق الأوسط ومنطقة البحر الأبيض المتوسط الأخرى ذات الأغلبية المسلمة مثل تونس وألبانيا والإمارات العربية المتحدة وتركيا. أما بلدان جنوب شرق آسيا مثل فيتنام وإندونيسيا فليست على مسافة بعيدة وراءها.

ومع ذلك، حصلت كل هذه البلدان على نتائج سيئة في تقرير الفجوة بين الجنسين العالمي السنوي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يرمي إلى قياس الفجوات في مجالات مثل التعليم والصحة والفرص الاقتصادية والتمكين السياسي.  (مؤشر المنتدى الاقتصادي العالمي هو في الحقيقة معيب جدا كمقياس للمساواة بين الجنسين، لكنه يعد فعلا بمنزلة مقياس لتمكين الإناث أو التفوق، لذلك فهو مفيد بالتأكيد لأغراض هذا التحليل).

وفي المقابل، حصلت البلدان الاسكندنافية مثل فنلندا والنرويج، اللتين حققتا مستويات مرتفعة جدا في مجال المساواة بين الجنسين في تصنيفات المنتدى الاقتصادي العالمي، على حصص منخفضة للغاية من خريجات العلوم الأساسية، بنسبة 20 و20.3 في المائة على التوالي، حتى السويد التي تحظى بالقدر نفسه بسمعة جيدة في هذا المجال، حققت نسبة لا تختلف كثيرا عن ذلك، عند 23.4 في المائة. هذا النمط الرحب منتشر في البيانات التي توضح أن بلدان أوروبا الشرقية الناشئة، على سبيل المثال، مثل مقدونيا وجورجيا ورومانيا، يغلب عليها الحصول على نسبة أعلى من خريجي العلوم الأساسية من الإناث من البلدان الأوروبية الجنوبية مثل إيطاليا والبرتغال واليونان، التي تحتل في حد ذاتها مراتب متقدمة عن المراتب التي تحتلها بلدان أوروبا الغربية مثل ألمانيا وفرنسا وسويسرا ودول البنلوكس، التي تعتبر بوجه عام أكثر ملاءمة للإناث. ثمة نمط مماثل كان واضحا من حيث نقاط القوة والضعف الأكاديمية النسبية للبنين والبنات في بلدان مختلفة، استنادا إلى برنامج مستخدم على نطاق واسع لاختبارات التقييم الدولية للطلبة (Pisa) في 67 بلدا. على الصعيد العالمي، لدى البنين والبنات قدرات متماثلة في مجال تعليم العلوم في معظم البلدان. مع ذلك، وفي 97 في المائة من البلدان، كانت العلوم هي المادة أكثر احتمالا لأن تصبح موطن قوة أكاديمية شخصية بالبنين أكثر منها للبنات.

وفي كل بلد شملته عينة الدراسة، كانت القراءة هي أكثر احتمالا لأن تصبح موطن قوة شخصية خاصة بالبنات، في حين كانت الرياضيات أكثر احتمالا لأن تكون موطن قوة بين البنين في كل بلد. الأمر الذي له دلالته هو أن ستويت والمؤلف المشارك ديفيد جيري، اللذين يعملان في قسم العلوم النفسية في جامعة ميزوري، وجدا أن الاختلافات بين الجنسين في قوة الفرد الداخلية في التفوق في العلوم كانت أعلى وأكثر تفضيلا للأولاد في البلدان الأكثر تمتعا بالمساواة بين الجنسين، كما كانت الاختلافات بين الجنسين في قوة الفرد الداخلية في القراءة لمصلحة البنات.

لذلك، وفي بلد مثل فنلندا، على الرغم من أن أداء البنات كان أفضل من أداء الأولاد في العلوم، كان أداؤهن أفضل حتى في القراءة، ما يمنحهن خيارات أكثر مما كان يتاح عادة للأولاد. أفادت الدراسة: "الفروق الفردية الداخلية بين الجنسين في مواطن القوة النسبية في العلوم والقراءة ارتفعت مع الزيادات في المساواة بين الجنسين. وفقا لنظرية القيمة المتوقعة، ينبغي أن يؤدي هذا النمط إلى وجود عدد أكبر بكثير من الأولاد وليس البنات ممن يسعون للحصول على مهنة في مجال العلوم الأساسية الأربعة، في البلدان ذات النسبة الأكبر من حيث المساواة بين الجنسين، وهذا ما كان".

والتفسير الذي يقدمه الأكاديميون لهذه النتائج التي تبدو حدسية هو أن البلدان التي ينظر إليها بأن لديها مساواة مرتفعة بين الجنسين، عادة يغلب عليها أن تكون بلدان الرعاية الاجتماعية القوية، التي لديها مستويات مرتفعة من الأمان الاجتماعي. وهذا يعني أن هنالك تكلفة مالية أقل مقابل التخلي عن مهنة في مجال العلوم الأساسية، وهو مسار يمكن أن يؤدي في الأغلب إلى الحصول على وظيفة معقولة براتب مرتفع.

و لدى الأفراد حرية نسبية في متابعة الحصول على وظائف في مجالات تحظى باهتمامهم ويكون أداؤهم فيها متفوقا. يغلب على البلدان ذات المساواة الأقل بين الجنسين أن تواجه ظروفا معيشية أكثر صعوبة، ما يعني أن قيمة الفائدة من الحصول على درجة علمية في أحد المواضيع الأساسية الأربعة عادة ما تكون أعلى، من الناحية النسبية.

وربما يضطر الأشخاص الذين يعيشون ظروفا اقتصادية أكثر قساوة إلى امتهان أي وظيفة متاحة، بصرف النظر عما إذا كانت تناسب مصالحهم الشخصية أم لا. قال ستويت إنه في البلد الفقير "ربما يساعدك الحصول على درجة علمية في أحد المواضيع الأساسية الأربعة على دفع رسوم مدارس أطفالك أو دفع قيمة الفواتير الطبية. وهذه ليست المشاكل التي يعانيها كثير من الناس في شمال غرب أوروبا". وأضاف: "أتمنى لو أن المزيد من الفتيات يدرسن (المواضيع الأساسية الأربعة). هنالك مزايا كثيرة في جميع المجالات، لكن الحقيقة هي أنه حين تعطي الفتيات الخيار، فإنهن يتخذن قرارات مختلفة جدا استنادا إلى اهتماماتهن."

ووافق ستيف ستيوارت-ويليامز، أستاذ مشارك في كلية علم النفس في فرع جامعة نوتنجهام في ماليزيا، على هذا التفسير الخاص بالبيانات. قال ستيوارت-ويليامز: "برأيي، التفسير الأكثر قبولا هو أنه عندما يحظى الناس بالمزيد من الحرية والأمان الاقتصادي، يكون أمامهم مجال أكبر للتفكير في تفضيلاتهم الشخصية ورفد الجانب الفردي في شخصيتهم.  نتيجة لذلك، يتعاظم متوسط الفروق بين الجنسين، بما في ذلك الفروق بين الجنسين في النتاجات الوظيفية أو المهنية"، على الرغم من أنه أقر قائلا إن "الموضوع لم يحسم بعد"، نظرا لعدم وجود أدلة قاطعة في هذه المرحلة. وهو لا يرى أن بلدان الشرق الأوسط وبلدان شمال إفريقيا ذات النسبة الأعلى من النساء خريجات العلوم الأساسية، كانت تقوم بشيء سليم ينبغي نقله إلى أماكن أخرى.

 وأضاف: "أحيانا يجادل الناس أنه بسبب وجود عدد أكبر من النساء في مجال العلوم الأساسية في تلك البلدان، لا بد أن تلك البلدان تقوم بشيء سليم ونحن لا نفعل. أعتقد أن هذا خطأ على الأرجح". "يستند الأمر إلى الفرضية غير المعلنة التي تفيد بأن الفروق بين الجنسين هي بالضرورة أمر سيئ وأنها من أعراض المجتمع القائم على التحيز الجنسي. هنالك الآن الكثير من البحوث التي تشير إلى أنه يغلب على الاختلافات بين الجنسين أن تكون أكبر، وليس أقل، في البلدان ذات المساواة الأعلى بين الجنسين.

وبدلا من أن تكون الفروق بين الجنسين من مظاهر المجتمع القائم على التحيز الجنسي، إلا أنها ربما تصبح في بعض الأحيان من مظاهر الوضع العكسي: بمعنى أننا أمام مجتمع يحرز تقدما بطيئا لكنه مطردا نحو المساواة الحقيقية بين الجنسين". من رأي ستيوارت-ويليامز أنه ينبغي على البلدان المتقدمة مواصلة تشجيع النساء على ممارسة مهن في العلوم الأساسية الأربعة، مثلا من خلال تسليط الضوء على الإنجازات العلمية لكلا الجنسين، بدلا من إنجازات الرجال فقط، وتبني مناهج خالية من التمييز في مجال تقديم طلبات الحصول على الوظائف ومنح الدراسات البحثية، ومحاولة جعل الفرص المهنية العلمية متوافقة مع الأمومة. إلا أنه يعارض سياسات "مراعاة الأقل حظا" التي تنطوي على التمييز ضد الرجال والأهداف التي تتسم بالمساواة بين الجنسين، قائلا إنه ينبغي على البلدان استهداف المساواة في الفرص، وليس المساواة في النتائج.

وقالت كورديليا فاين، أستاذة التاريخ وفلسفة العلوم في جامعة ملبورن ومؤلفة كتاب: (سيطرة الذكورة)، إنها لم تفاجأ بالنتائج التي تم التوصل إليها، التي تنسبها إلى وجود "إرث من المعتقدات الثقافية حول الاختلافات الفطرية بين الجنسين، وتأثير ذلك على الأهداف والتوقعات والخبرات، لا سيما بالاقتران مع الحرية الاقتصادية في التعبير عن الذات في البلدان الغنية".  "بعبارة أخرى، لدينا حرية أكبر للتعبير عن ذواتنا التي تعود إلى نوع الشخص الناتج عن الثقافة" في البلدان الغنية، بحسب ما قالت فاين، التي أضافت أن هنالك بعض البحوث التي تشير إلى "تأييد أكبر للقوالب النمطية الجنسية في البلدان المتقدمة التي تحقق مستويات أكثر تفضيلا من حيث مقاييس المساواة بين الجنسين".

وتقبلت أيضا فكرة أن النتائج التي توصل إليها ستويت وجيري يمكن أن تكون صحيحة، لكنها أضافت بأن ما يفوته هذا التفسير هو أن "هنالك أمرا ما يحصل في البلدان ذات المساواة الأكبر بين الجنسين، الذي يعمل على تقليل اهتمامات الفتيات وفرحهن وثقتهن بأنفسهن عندما يتعلق الأمر بدراسة العلوم". قالت آنا ماريا مونوز-بوديه، وهي عالمة اجتماع عليا في البنك الدولي، إنه على الرغم من أن بلدا مثل تركيا يحظى بنسبة مرتفعة نسبيا من خريجات العلوم الأساسية الأربعة، عادة ما كانت الفتيات المذكورات يدرسن العلوم الطبيعية ويصبحن معلمات، وهي مهنة ينظر إليها على أنها وظيفة "مناسبة" للنساء، لكنها لا تصنف من ضمن العلوم الأساسية الأربعة، بدلا من العمل في حقل الهندسة الأعلى أجرا.

وأضافت "التوازن بين الجنسين في قطاع التعليم هو لمصلحة المرأة، (لكن) بالنسبة للملتحقين في حقل الهندسة، تمثل النساء الربع فقط. التعمق في تلك الفروق الدقيقة أمر مهم لأنه يمكنه المساعدة في تفسير وبيان طرق يمكن استخدامها للتخلص من الأمور التي تتسبب في إيجاد جوانب التفاوت المذكورة"، مضيفة بأن البيانات فوتت أيضا حقيقة أن عدد الطلبة الذين يختارون دراسة إحدى تلك العلوم الأساسية الأربعة، الذكور والإناث على حد سواء، كان منخفضا في كل البلدان.

ودعت مونوز-بوديه إلى المزيد من نماذج القدوة النسائية لتشجيع المزيد من الفتيات على التطلع إلى دخول قطاعات مثل الهندسة. ستويت انتقد الجهود "من جانب واحد" التي ترمي إلى زيادة نسبة النساء في مواضيع العلوم الأساسية في البلدان المتقدمة مثل بريطانيا. وقال: "نيكي مورجان (التي كانت سابقا تشغل منصب وزيرة التعليم البريطانية ووزيرة النساء وجوانب المساواة) تقول إننا بحاجة إلى 80 ألف مهندس في السنة، ونحن بحاجة إلى المزيد من النساء في العلوم الأساسية". "هناك عددا كبيرا من المجالات التي نحتاج فيها إلى أشخاص مهرة، وهذا ينطبق أيضا على مهنة التمريض والتدريس والأطباء، لكن ليس هناك أحد يقول إنه لا يوجد لدينا كاف من الممرضات، لذلك دعونا نذهب إلى المدارس ونحاول إثارة اهتمام الرجال. وهذا يبين أن هناك شيئا يفتقر إلى الأمانة في هذا المقام. "لماذا يكون الأمر دائما أحادي الجانب؟ لماذا نركز دائما على النساء في المواضيع الأساسية، ولا نركز على الرجال في علم النفس مثلا: 20 في المائة من الطلاب في العلوم الأساسية هم من الإناث، و20 في المائة في طلاب علم النفس هم من الذكور. هناك أمر غريب يجري الآن".