آخر تحديث GMT 08:03:06
اليمن اليوم-

المجتمع الفاشل

اليمن اليوم-

المجتمع الفاشل

بقلم/عمرو الشوبكي

الحديث عن الدولة الفاشلة حديث علمى وسياسى متكرر، والحديث عن المجتمع الفاشل ظل خافتا ورُدد فى البداية همسا فى بعض الأوساط العلمية والسياسية، ثم تزايد الحديث مؤخرا عن الأمم الفاشلة، ولماذا تقدمت دول وتأخرت أخرى؟ ولماذا بدأت تجارب من نفس النقطة ولم تصل إلى نفس النهاية، فتقدم بعضها وتخلف بعضها الآخر، رغم البدايات الواحدة؟

تقدُّم مصر ليس حتميا، كما أن تخلفها ليس حتميا أيضا، إنما قراءة علمية لواقعها الاقتصادى والسياسى وبنيتها الاجتماعية والثقافية والمؤسسية مطلوبة لمعرفة فى أى نقطة تقف، وأى خيارات أمامها للمستقبل.

والمؤكد أن تعبير «الدولة الفاشلة» تعبير علمى يُستخدم بخصوص الدول التى تعجز عن القيام بواجباتها تجاه مواطنيها، فتتراجع كفاءة المؤسسات وتنهار الخدمات ويغيب الأمن وتغيب الجيوش الوطنية أو تتحول إلى جيوش طوائف وقبائل.

وتجارب الدول الفاشلة كثيرة، وشهدنا مؤخرا فى العالم العربى تجارب غياب الدولة وانهيارها بالكامل، وليس فقط فشلها فى تأدية وظائفها، وصارت الدولة الفاشلة حقيقة، أما سؤال المجتمع الفاشل فظل فرضية طرحها بعض علماء الاجتماع بأدلة كثيرة، وفتح تعليق أستاذ علم الاجتماع السودانى حيدر إبراهيم، منذ 3 أعوام، فى مؤتمر بمكتبة الإسكندرية، نقاشا مستفيضا حول المفهوم ودلالته.

والحقيقة أن فى مصر، مثل أى بلد آخر، أداء الدولة وكفاءة مؤسساتها، ودرجة الشفافية والنزاهة التى تُدار بها، وطبيعة النظام السياسى- ديمقراطى أو شبه ديمقراطى أو شمولى- مسؤولة عن تشكيل وعى المجتمع وصناعة تقدمه، وأن سؤال مَن يتحمل المسؤولية على طريقة البيضة أم الدجاجة- أى الدولة والنظام الحاكم أم المجتمع- لن يحل مشكلة المجتمعات والدول المتخلفة، فيقينا مسؤولية النظم الحاكمة أساسية، إلا أنها وُجدت واستقرت فى تربة مجتمعية ساعدتها على الاستمرار، ونظرية العالِم الجزائرى، مالك بن نبى- عن «القابلية للاستعمار» المتعلقة بأوضاع الدول المأزومة، التى جعلتها قابلة لأن تُستعمر (بضم التاء)- تنسحب أيضا على «القابلية للتخلف»، أى وضعية ثقافية بائسة وأمية مرتفعة وظروف سياسية محيطة تعمق من هذا التخلف.

هناك دراسات فلسفية كثيرة عن صعود وهبوط الحضارات، وهناك دراسات سياسية كثيرة عن المجتمعات التى تقدمت وتلك التى تخلفت، وحديث علمى عما سماه الباحث الأمريكى الشهير فيليب شميتر (Philipe Schmitter) عن «الخيار الأسوأ»، أى أن يختار المجتمع- ممثلا فى فاعليه السياسيين، عقب تجارب التغيير- الخيارات الأسوأ بين كل الخيارات المطروحة، وهذا ما يصف به الكثيرون خيارات مصر عقب ثورة يناير حين سيطر خطاب المراهقة الثورية على بدايات مسار ما بعد يناير، فطالب بإسقاط دستور 71 المدنى، وعزل قيادات الحزب الوطنى، وتبنِّى المحاكمات الثورية، كل ذلك لصالح الفراغ الذى ملأه بكل سلاسة الإخوان، وقُدمت لهم البلاد على طبق من فضة ليحكموها، وأدى فشل إسقاطهم بالوسيلة الديمقراطية إلى تبنى النظرة الحالية، التى تقول إن مَن فشل هو الشعب الذى أُتيحت له فرصة عقب ثورة يناير وأهدرها، فتم إقصاء الجميع من معادلة الحكم والفعل السياسى.

يقيناً فشل المجتمع ونخبته المدنية واضح عقب ثورة يناير، ولكنه أيضا لم يكن يتحرك فى الفراغ دون إطار سياسى محيط، فإرث مبارك لم يكن كله سلبيات، إلا أنه لم يسمح بوجود فرص حقيقية للإصلاح من داخله إلا من خلال مشروع التوريث المرفوض شعبيا، كما أن خيارات المجلس العسكرى الخاطئة فى إسقاط دستور 71- رغم موافقة الناس على تعديله فى استفتاء شعبى...

لصالح فرض إعلان دستورى ركيك، وتسليم البلاد للإخوان دون دستور مدنى ودون قوانين تنظم العملية السياسية والانتخابية- أدت إلى أن وضعوا هم الدستور والقواعد القانونية على مقاسهم، وكانت نهاية «الخيار الأسوأ».

الدول الفاشلة تنتج مجتمعات فاشلة، مثلما أن المجتمعات الفاشلة تنتج دولاً فاشلة أيضا، على طريقة «كما تكونوا يُولَّ عليكم». والمجتمع تساهم فى صنعه سلطة ونظام سياسى وليس فقط موروث ثقافى وحضارى، وتعبير المجتمع هو تعبير متحرك ديناميكى نتاج تفاعلات كثيرة محيطة به، وليس فقط أحكاما قيمية مطلقة وساكنة لا تتغير بتغير النظم والأزمنة، فمثلا فى بعض المجتمعات الأوروبية كان هناك مَن يتحدث فى نهاية الستينيات وأوائل السبعينيات عن أن إسبانيا والبرتغال غير قابلتين لبناء نظم ديمقراطية، لأن فى الأولى نسبة الأمية تصل إلى 15% والثانية إلى 20%، كما أن شعبيهما من الشعوب الكاثوليكية المتعصبة، التى يكون الدين مهيمناً على ثقافة شعوبها، بصورة تجعلها غير قادرة على تقبُّل النظام الديمقراطى.

ما جرى فى البلدين- اللذين صارا بعد ذلك دولتين أوروبيتين متقدمتين وديمقراطيتين- تكرر فى مجتمعات كثيرة مثل أمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية حين كانت توصف مجتمعاتها أيضا بأنها غير قابلة للديمقراطية والتقدم.

إن قضية المجتمعات أو النخب الفاشلة لا علاقة لها بنظريات الشعوب المتخلفة لأسباب «جينية» نتيجة أصلها العرقى أو الدينى أو الثقافى أى لأسباب خلقية كما يردد بعض الجهلاء أو الكسالى، ليحكموا بالإعدام على شعب من الشعوب أو ثقافة من الثقافات، إنما هى أزمة مؤسسات دول ونظم سياسية تسهم فى تشكيل وعى المجتمعات وقدرتها على التغيير، دون أن تغيب أيضا مسؤولية هذه المجتمعات وفاعليها السياسيين عن تجنب «الخيارات الأسوأ».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المجتمع الفاشل المجتمع الفاشل



GMT 20:25 2021 الخميس ,01 تموز / يوليو

مرافَعةُ البطاركة أمام البابا

GMT 11:21 2021 الثلاثاء ,29 حزيران / يونيو

هل يبدأتصويب بوصلة المسيحيين في لقاء الفاتيكان؟

GMT 13:21 2021 السبت ,26 حزيران / يونيو

لبنان والمساعدات الاميركية للجيش

GMT 14:31 2021 الإثنين ,21 حزيران / يونيو

الحِيادُ هذا اللَقاحُ العجائبيُّ

GMT 23:33 2021 الخميس ,17 حزيران / يونيو

أخبار من اسرائيل - ١

GMT 16:22 2021 الأربعاء ,16 حزيران / يونيو

أخبار عن بايدن وحلف الناتو والصين

GMT 17:50 2021 الثلاثاء ,15 حزيران / يونيو

المساعدات الخارجية البريطانية

GMT 07:38 2021 الثلاثاء ,15 حزيران / يونيو

أعداء المسلمين
اليمن اليوم-
اليمن اليوم-

إطلالة لافتة وجريئة لنسرين طافش في مهرجان كان السينمائي

القاهرة - اليمن اليوم

GMT 19:40 2019 الأحد ,08 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج في كانون الأول 2019

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 16:11 2019 الأربعاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برجفي كانون الأول 2019

GMT 06:30 2018 الخميس ,17 أيار / مايو

موظفو "شركة فوكس" يقدمون 18 دعوى ضدها

GMT 11:11 2018 الثلاثاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

عباءات ماركات باللون الزهري للتوعية بسرطان الثدي

GMT 17:13 2018 السبت ,20 تشرين الأول / أكتوبر

تعرف على أهم النقاط لتوظيف اللوحات في ديكورات المنزل

GMT 15:10 2016 الأحد ,20 آذار/ مارس

انصافا لأمي

GMT 15:29 2016 الإثنين ,21 آذار/ مارس

أكثر من نصف مليون ريال مساعدات جمعية سيهات

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز
 
alyementoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

alyementoday alyementoday alyementoday alyementoday
alyementoday alyementoday alyementoday
alyementoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
Beirut, Beirut Governorate, Lebanon